لا تَدْعُنِي أَكْتُبْ سَطْراً مِنْ مَآسٍ
فَقَدْ نَزَفَ دَمِي، وَقَدْ جَفَّ حِبْرُ القَلَمِ
قَتَلُوا طِفْلِي، وَمَنَعُونِي مِنَ بُكَائِي
فَغَدَا جُرْحِي قَصِيدَةً بِلَا فَمِ
جَاءَ الأَحْفَادُ مِمَّنْ قَتَلُوا ابْنَ الشَّهِيدِ
رَضِيعاً بِحِضْنِ أَبِيهِ، رَمْياً بِسَهْمِ
بِمِقَصِّ حِقْدٍ قَصُّوا ظَفَائِرَ شِنْكَالَ
وَتَجَدَّدَ الجُرْحُ، وَبَاتَ كَالوَشْمِ
مُذْ دَنَّسَتْ أَرْضَنَا خَيْلُ المَغُولِ غَدْراً
وَحَرَقُوا كُلَّ شَيْءٍ، وَنَهَبُوا الذِّمَمِ
وَبِأَرْضِ شِنْكَالَ طَابَ الثَّرَى بِزَيْنَبٍ
صَبْرٌ عَلَى جُرْحِنَا.. فِي حِمَى القِمَمِ
مَنْ هَدَمَ مَا بَنَيْتُهُ بِأَحْجَارِي؟
وَمَنْ أَحْرَقَ مَزَارِعِي، وَقَطْعَ أَشْجَارِي؟
وَمَنْ قَتَلَ، وَأَسَرَ، وَسَبَى، وَخَرَّبَ أَسْوَارِي؟
بِفَرْمَانَاتِ آلِ عُثْمَانَ.. فَقَدْنَا الرِّجَالَ وَالشَّبَابَ وَالذَّرَارِي
تَرَكْنَا الدِّيَارَ، وَحَمَلْنَا لِلْجِبَالِ عِيَالاً
فَكَانَ الجَبَلُ حِصْناً، وَمَأْوَىً كَبَيْتِ عَمِّ
جَمَعْتَ شَتَاتَ أَهْلِي فِي كُهُوفٍ، وَحَمَيْتَ
مِنَ العُتَاةِ، وَجَوْرِ الطُّغَاةِ وَالظُّلْمِ
يَمُصُّونَ مِنْ جِسْمِ كُلِّ بَرِيءٍ نَفْساً
وَيَجْرِي عَلَى كَفِّهِمْ نَهْرٌ مِنَ الدَّمِ
وَعَلَى البَاغِي دَارَتْ رَحَى الأَيَّامِ، وَاسْوَدَّ
وَجْهُ الخِيَانَةِ، وَانْكَشَفَ سِتْرُ كُلِّ مَنْ ظَلَمِ
تَسَاقَطَ طَبَّالُ الغَدْرِ وَكُلُّ أَهْلِهِ

وَطُوِيَتْ صَحَائِفُهُمْ فِي دَيَاجِيرِ غَمِّ
وَبَقِيَ المَظْلُومُ فِي رُكْنِهِ مُنْزَوِياً
يُخْفِي أَنِينَ الحَشَا، وَيَكْتُمُ كُلَّ هَمِّ
فَإِذَا نَطَقَ، خَرَسَ مَنْ حَوْلَهُ رُعْباً
وَقَالَ: مَا قِيمَةُ العَيْشِ فِي هَذَا الكَمِّ؟
قُبُورٌ، وَأَطْلالٌ، وَأَيْتَامٌ بَعْدَهُمْ
وَذِكْرَيَاتُ أَحِبَّةٍ.. أَضَاعَتْهَا يَدُ الضَّمِّ
مَا طَعْمُ حَيَاةٍ لَيْسَ لِي بِهَا أَخٌ؟
يَتِيمُ أَبٍ.. وَمَنْ يَقُومُ بِمَقَامِ أُمِّ؟





