- الكاتب عبد الغفور ملا وهب
شهد عام 660 هجرية فصلاً تراجيدياً من فصول الصمود والتضحية في تاريخ مدينة سنجار ، إذ وقعت معركة دامية في سهلها الرحب ؛ كانت نتيجةً لوصول نجدة البرلي صاحب حلب لإنقاذ الموصل وصاحبها الصالح إسماعيل بن بدر الدين لؤلؤ ، وعند التقاء عساكر الشام بجيش المغول الجرار بقيادة سمداغو والذي كان يربو على عشرة آلاف جندي بكامل عدتهم وعتادهم في مواجهة جبهة غير متكافئة عدداً تكوّنت من ألف وسبعمائة مقاتل فقط من عساكر الشام ؛ سارع إلى مؤازرتهم والالتحاق بهم أهل سنجار ورجال القرى والضياع المجاورة مدفوعين بيقينٍ تام بأن المغول إذا ما فرغوا من عساكر الشام فستكون مدينتهم هي الضحية التالية ،ودارت في سهل سنجار رحى معركة ضارية جاد فيها الأحرار بأرواحهم لتبقى مدينتهم حرة لكن الغلبة العسكرية كانت للمغول حيث أُصيب البرلي بجراح بليغة اضطرته لمغادرة ساحة القتال وقُتل الكثير من جنوده وبُدد شمل الباقين ؛ ولم يكتفِ التتار بالنصر العسكري بل توجهوا بكامل قوتهم نحو مركز مدينة سنجار للانتقام من سكانها ونكّلوا بالمدينة تنكيلاً هائلاً فهدموا سورها الحصين وأخربوا أبراجها وشراشيفها ودمّروا قلعتها التاريخية ، ويذكر المؤرخ ابن شداد في مصنفاته أن المغول هدموا في تلك الحملة مشهد الإمام علي عليه السلام الذي كان ملاصقاً للسور وهو ما يُعرف اليوم بمقام السيدة زينب الكبرى ومرقد السيدة زينب الصغرى عليهما السلام ، ولم يتوقف طغيانهم عند الحجر بل استباحوا البشر فقتلوا أهل سنجار ونهبوا ممتلكاتهم وخربوا بيوتهم واقتادوا النساء والأطفال سبايا ، ولزيادة النكاية وإجبار حاكم الموصل على الرضوخ والاستسلام الكامل أخذ القائد المغولي سمداغو أسرى سنجار وجرّهم بمرارة إلى الموصل ليدخلهم على الصالح إسماعيل ليرى عيانياً مصير من يقف في وجه التتار . وإن أشد ما ترك في نفوس أهل سنجار جرحاً غائراً لا يمحوه الزمن هو أن هذه الجرائم الفظيعة اقُترفت بحق الأبرياء على مرأى ومسمع من أمراء الجزيرة المجاورين بل إن الطعنة جاءت من بعضهم ممن اشتركوا بعساكرهم مع المغول في اقتحام المدينة حيث تؤكد المصادر التاريخية أن صاحب ماردين وشمس الدين بيربس أمير شكار البدري وشمس الدين يونس المشد ، هؤلاء خاضوا القتال في خندق المغول ضد جيرانهم وبعد استيلاء المغول على المدينة المنكوبة عيّنوا الأمير علم الدين قيصر الموصلي نائباً عن التتار في سنجار بينما تولى القائد المغولي باينجوين منصب الشحنة أي الحاكم العسكري عليها لتبقى هذه الموقعة شاهداً حياً على عظم التضحية وبشاعة الظلم الذي يعقُب الثبات والدفاع عن الأهل والديار . وتستند هذه الحقائق إلى أمهات المصادر التاريخية ومنها الاعلاق الخطيرة لابن شداد وذيل مرآة الزمان لليونيني وجامع التواريخ للهمذاني و مختصر تاريخ الدول لابن العبري وكتاب مدينة سنجارللدكتور حسن شميساني ونوادر التاريخ ومختصراته.




